sdf52

السؤال الاصلي:
ما هي الطريقة العراقية لتلاوة القرآن الکريم؟
الاسئلة الفرعية: ماهي المقامات و النغمات المستعملة في الطريقة العراقية لتلاوة القرآن الکريم؟
من هم رواد الطريقة العراقية لتلاوة القرآن الكريم؟
ماهي محاسن و مواطن الخلل في الطريقة العراقية لتلاوة القرآن الكريم؟
ما مدي تطابق الطريقة العراقية لتلاوة القرآن الكريم لأحكام التجويد؟
ما هي سبل الرقى الطريقة العراقية لتلاوة القرآن الكريم؟
ضرورة البحث:ضرورة تعرف العالم الاسلامي بالقراء العراقيين و قرائتهم.
كشف محاسن تلاوة القرآن الكريم بالطريقة العراقية و مواطن الخلل فيها.
دراسة و تحليل المقامات و النغمات المستعملة في الطريقة العراقية لتلاوة القرآن الكريم.
دراسة سبل تطور تلاوة القرآن الكريم بالطريقة العراقية الي العالمية.
منهج البحث:لقد اعتمدت في كتابة هذه الرسالة على البحوث الميدانية والاستبيانات التي اجريتها في العراق، تحديدا في محافظة بغداد، و كربلاء، و نجف، و كركوك، كما اعتمدت على الكتب و المكتبات في العراق و في جمهورية الاسلامية و لقاءات التي اجريتها مع كبار القراء العراقية و المصرية، منذ اقامتي في العراق، و تناولت مسائل البحث بالتحليل والاستدلال على الصوتيات والنقد، بل وبإعمال النظر في بعض الحالات، وقمت بتدوين المعلومات ذات الصلة بالبحث، ثم تنظيمها وترتيبها مع الإشارة إلى مصادرها.
سابقة البحث:أن مسألة تلاوة القرآن الكريم و خاصة الطريقة العراقية و المقامات العراقية تعتبر من إحدى المسائل التي وقعت في معرض متناول العلماء والمحققين في أبحاثهم وكتاباتهم، وتعتبر من المباحث القديمة التي اهتموا بها وأعطوها جانباً واسعاً من البحث، وفي ما يلي سنشير الی بعض من كتب كتابا خاصا في هذا المجال:
فن التلاوة أصوات و انماط، تأليف: عادل الهاشمي.
سنا الاصوات في تلاوة الآيات، تأليف: الدكتور ابراهيم السالم.
المقام العراقي، تأليف: الحاج هاشم محمد الرجب.
فن تلاوة القرآن، تأليف: الدكتورة كريستينا نلسون.
الزمن الجميل، تأليف: سيد امين الميرزائي.
فكتاب الاول:
عبارة عن دراسة تحليلة لطريقة التلاوة القرآنية الكريمة في المدرستين المصرية و العراقية، فقد تناول الباحث فيه دراسة اصوات بعض القراء المصريين كـ الشيخ محمد رفعت، و الشيخ عبدالفتاح الشعشعاعي، و الشيخ ابوالعينين شعيشع، و الشيخ مصطفى اسماعيل، و الشيخ عبدالباسط محمد عبدالصمد، و الشيخ محمد خليل الحصري، اضافة الى بعض القراء العراقين كـ الحافظ ملا مهدي، و الحاج محمود عبدالوهاب، و الشيخ عبدالقادر الخطيب، و الحافظ صلاح الدين، و الحافظ خليل اسماعيل، و عبدالرحمن التوفيق.
لكن لم يدرس فيها تاريخ المقام العراقي، و الطريقة العراقية بشكل عميق و ميداني، و لم يشر الى تاريخ التلاوة في العراق و ما حملها من التراث، لكن مع كل هذا انها عمل جيد في ذاته.
اما الكتاب الثاني :
عبارة عن دراسة حول القراءة القرآنية و بيان الاصوات و فن القراءة و التلاوة المصرية و العراقية، و ذكر فيه الفنون و الانغام، و الموسيقي، و آراء الفلاسفة و المفكرين و اهل البيت عليهم السلام في الاصوات، لكن لم يسلط الضوء على الطريقة العراقية بشكل اعمق، بل ذكره خلال مباحث الكتاب.

اما الكتاب الثالث:
فهو عبارة عن دراسة موسيقية للمقامات العراقية، و السلالم الموسقي، و ذكر فيه اشهر قراء المقام العراقي، لكن لم يتناول فيه قراء القرآن بشكل مباشر بل اشار اليهم في ضمن المباحث اشارة سريعة و عابرة.
اما الكتاب الرابع:
فهو عبارة عن رسالة لنيل درجة الدكتورا في جامعة بركلي الامريكية – كاليفرنيا، من قبل الدكتورة كريستينا نلسون، باللغة الانكليزية، تبحث فيه عن فن التلاوة القرآنية في جمهورية مصر و تاريخه و مقوماته، و يتناول بعض قراءه الكبار، لكن لم يتطرق الى التلاوة القرآنية في سائر بلاد الاسلامية خاصة العراق، و قد اشرت لهذا الكتاب بما وجدت فيه من مشتركات بين قراءة القرآن في مصر و في العراق.
اما الكتاب الخامس:
فهو عبارة عن بيان تاريخ تحليلي لظهور فن التلاوة في مصر، فقد جاء فيه: اصول التلاوة في الاسلام، و دخول الاسلام الى مصر، و ادوار القراءة في مصر، و قراء مصر. و ذكر شيئا مختصرا عن تاريخ التلاوة في العراق لكن اختص بالمدرسة المصرية.
مخطط الرسالة:تضمنت خطة البحث في هذه الدراسة اربعة فصول مع مرفقات صوتية، فقد أحتوى الفصل الأول بحوث تمهيدية حول نزول و تدوين و جمع و تلاوة القرآن الكريم، و شكله الظاهري و محتوا و سياقه الباطني، و مباحث التجويد، و الوقف و الابتداء، و مراتب التلاوة.
اما الفصل الثاني، فقد تناولت فيه العراق و جغرافياه و مناخه، و تاريخه، و فن التلاوة في العراق، و المقامات المستعملة في التلاوة العراقية.
اما الفصل الثالث، فقد تناولت فيه ذكر اشهر القراء في العراق منذ دخول الاسلام الى العراق الى يومنا هذا.
اما الفصل الرابع، فقد تناولت فيه التحليل الفني للطريقة العراقية و دراسته و اهم معالم النهضة القرآنية في العراق.
الفصل الاولالقرآن الكريم و تلاوته
1-1- نزول القرآن
اصطفى الله سبحانه و تعالى محمدا ص للنبوة و الرسالة فبعثه في اليوم السابع و العشرون من شهر رجب المرجب ليدعو الناس بالسلام و دين الاسلام. فهبط اليه جبرائيل قائلا: يامحمد! اقرأ. قال: وماأقرأ؟ قال: يامحمّد! ﴿اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ اَلَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ اَلْإِنْسان َمِن ْعَلَقٍ * اِقْرَأ ْوَرَبُّكَ اَلْأَكْرَمُ * اَلَّذِي عَلَّمَ‌ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ اَلْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾.
فأقام رسول الله ص بمكة ثلاث سنين يكتم أمره و بعد ذلك امر ان يجهر بالدعوة و يعم الانذار.ثم بعد ذلك نزلت آيات الذكر الحكيم و خاتم الكتب السماوية من ام الكتاب و من لوح محفوظ و من كتاب مكنون بواسطة جبرائيل الامين على قلبه الطاهر بالتفصيل تدريجيا و نجوما متفرقة في عشرين سنة ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ و رتل ترتيلا بلسان عربي مبين في مكة المكرمة قبل الهجرة و في المدينة المنورة بعدها. ﴿وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلاً﴾ و ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ و ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾.
ابتداء من ليلة مباركة في شهر عظيم، لقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ﴾ و قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾، و قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ ، فهي اعظم ليلة في التاريخ كله.
و نزوله تدريجيا كان لأسباب عديدة كتثبيت قلب النبي ص ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلا﴾ و مواقف مختلفة، كتغيير القبلة ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ ، و هكذا.
قال الامام الصادق عليه السلام: "مكث رسول الله ص بمكة بعد ما جاءه الوحي عن تبارك و تعالى ثلاث عشرة سنة منها ثلاث سنين مختفيا خائفا لا يظهر امره حتى امره الله ان يصدع بما أمر به فاظهر حينئذ الدعوة".
و روي الامام احمد بسند متصل الى عامر الشعبي: "فلما مضت ثلاث سنين، قرن بنبوته جبرائيل فنزل القرآن على لسانه عشرين سنة، عشرا بمكة و عشرا بالمدينة".
فأول آية نزلت من الذكر الحكيم قوله تعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ * اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾.
و آخر ما نزل عليه من السور هي سورة النصر، قال الامام الصادق عليه السلام: "اول ما نزل على رسول لله ص ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ * اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ و آخر ما نزل عليه ﴿إِذا جاءَ نَصْرُ اَللّهِ ﴾
و روي آخر آية نزلت هي: ﴿وَ اتَّقُوا يَوْم اً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اَللّهِ ثُمَّ تُوَفّى كُلُّ نَفْس ما كَسَبَتْ وَ همْ لا يُظْلَمُونَ﴾ . و روي: آخر آية نزلت بها جبرئيل، و قال: ضعها في رأس المائتين و الثمانين من سورة البقرة.و عاش الرسول(صلى اللّه عليه و آله و سلم)بعدها أحدا و عشرين يوما، و قيل سبعة أيام .
و قال ابن واضح اليعقوبي: "وقد قيل ان آخر ما نزل عليه ص ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِينًا﴾ قال: و هي الرواية الصحيحة الثابتة الصريحة. و كان نزولها يوم النص على اميرالمؤمنين علي بن ابي طالب صلوات الله عليه بغديرخم".
1-2- تدوين و جمع القرآنكان رسول الله ص يتلو آيات الذكر الحكيم على الناس آناء الليل و اطراف النهار و كان يأمر كتاب الوحي و الصحابة بتثبيتها و كتابتها و حفظها، فدونت آيات القرآن الكريم في عهد النبي ص بيد من كان يعرف الكتابة من المؤمنين و هم عدد قليل خلال عشرين عاما على اوراق من قرطاس او حرير (و قيل على العسب و اللخاف و قطعة من اديم).
فكان علي عليه السلام اول من كتب له ص في مكة و دام حتى آخر حياته. و انه لم يفته شيء من الوحي الا و سجله في كتاب حتى الذي كان ينزل في غيابه فيحفظه له النبي ص حتى يحضر و يملي عليه ليكتب. و انه ص لم يكن ليقتصر على املاء الوحي عليه نصا بل و كان يردفه بما احتاج الى تفسير و تأويل فاملى عليه التنزيل و التأويل معا.
روي سليم بن قيس الهلالي العامري قال: جلست إلى علي عليه السلام بالكوفة في المسجد والناس حوله. فقال: سلوني قبل أن تفقدوني. سلوني عن كتاب لله، فولله ما نزلت آية من كتاب لله إلا وقد أقرأنيها رسول لله صلى لله عليه وآله وعلمني تأويلها.
فقال ابن الكواء: فما كان ينزل عليه وأنت غائب؟ فقال عليه السلام: بلى، يحفظ علي ما غبت عنه، فإذا قدمت عليه قال لي: يا علي، أنزل لله بعدك كذا وكذا فيقرأنيه، وتأويله كذا وكذا فيعلمنيه.
و اول من كتب له في المدينة ابي بن كعب الانصاري. قال ابن سعد : كان أُبي يكتب في الجاهلية قبل الإسلام، وكانت الكتابة في العرب قليلة وكان يكتب في الإسلام الوحي لرسول الله ص.
و كان النبي ص اذا غاب عنه أبي ارسل الى زيد ليكتب له حتى اصبحا من كتاب الوحي بين يدي رسول الله ص من بين المعدودين الذين يجيدون الكتابة في ذلك العهد.
فآيات السور رتبت وفق ترتيب نزولها على عهد رسول الله ص الا ما امر الرسول ص بتثبيته في موضع آخر من سورة اخرى. فكانت السورة تبدأ بـ بسم الله الرحمن الرحيم، فتسجل الآيات التي تنزل بعدها من نفس هذه السورة واحدة تلو الاخرى حتى تنزل بسملة اخرى.
قال الامام الصادق عليه السلام: "كان يعرف انقضاء السورة بنزول بسم الله الرحمن الرحيم ابتداء لأخرى".
روى أحمد في مسنده عن عثمان بن أبي العاص قال: أنّ آخر آية نزلت قوله تعالى: ﴿وَ اتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اَللّه﴾ فأشار جبرئيل أن توضع بين آيتي الربا و الدين من سورةالبقرة.
و عن ابن عباس و السدّي: أنّها آخر ما نزلت من القرآن. قال جبرئيل:ضعها في رأس الثمانين و المائتين.
فكانت السور مكتملة على عهده(صلى اللّه عليه و آله و سلم)مرتبة آياتها و أسماؤها، غير أنّ جمعها بين دفّتين لم يكن حصل بعد. نظرا لترقب نزول القرآن على عهده(صلى اللّه عليه و آله) حيث كان رسول لله ص يترقب نزول الوحي من السماء طيلة حياته، حتى عرض عليه جبرائيل القرآن الكريم في السنة التي قبض فيها ص مرتين.
قال مسروق عن عائشة عن فاطمة س عنهما: "اسر النبي ص الي ان جبريل كان يعارضني بالقرآن كل سنة و انه عارضني العام مرتين و لا اراه الا حضور اجلي".
قال جلال الدين السيوطي: "كان القرآن كتب كلّه في عهد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) لكن غير مجموع في موضع واحد و لا مرتّب السور".
أوّل من قام بجمع القرآن بعد وفاة النبيّ (صلى اللّه عليه و آله)مباشرة، و بوصيّة منه(صلى اللّه عليه و آله) هو الامام علي بن أبي طالب(صلوات اللّه عليه). قال الإمام الصادق(عليه السلام): قال رسول اللّه(صلى اللّه عليه و آله) لعلي (عليه السلام): يا علي! القرآن خلف فراشي في الصحف و الحرير و القراطيس، فخذوه و اجمعوه و لا تضيّعوه.
و قد جاء في اخبار ابن رافع: "ان النبي ص قال في مرضه الذي توفي فيه لعلي ع: يا علي، هذا كتاب الله خذه اليك. فجمعه علي في ثوب و مضى الى منزله، فلما قبض النبي ص جلس علي فألفه كما انزل الله و كان به عالما."
فبعد وفاة النبي ص مباشرة و بوصية منه ص قعد علي بن ابي طالب عليه السلام في بيته مشتغلا بجمع القرآن و ترتيبه على ما نزل و انه عليه السلام آل على نفسه ان لا يضع رداءه على عاتقه الا للصلاة حتى يؤلف القرآن و يجمعه فانقطع عنهم مدة الى ان جمعه ثم خرج اليهم به في ازار يحمله و هم مجتمعون في المسجد فأنكروا مصيره بعد انقطاع مع البته قالوا: لأمر ما جاء به أبو الحسن ، فلما توسطهم وضع الكتاب بينهم ، ثم قال : إن رسول لله قال: إني مخلف فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا كتاب لله وعترتي أهل بيتي. وهذا الكتاب وأنا العترة، فقام إليه الثاني فقال له: إن يكن عندك قرآن فعندنا مثله فلا حاجة لنا فيكما، فحمل عليه السلام الكتاب وعاد بعد أن الزمهم الحجة. وفي خبر طويل عن الصادق (ع) أنه حمله وولى راجعاً نحو حجرته وهو يقول: ﴿فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾.
فان مصحف اميرالمؤمنين علي عليه السلام وضع على دقة كاملة على ترتيب النزول، مع الإشارة الى مواقع نزولها و مناسبات النزول. قال الامام الباقر عليه السلام: "ما من احد من الناس يقول انه جمع القرآن كله كما انزل لله الا كذب. وما جمعه و ما حفظه كما انزل لله الا علي بن ابي طالب".
و قال ابن جزري الكلبي: " كان القرآن على عهد رسول الله ص مفرقا في الصحف و في صدور الرجال فلما توفي ص جمعه علي بن ابي طالب على ترتيب نزوله و لو وجد مصحفه لكان فيه علم كبير".
قال ابن النديم- بسند يذكره- :إنّ عليا(عليه السلام)رأى من الناس طيرة عند وفاة النبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلم) فأقسم أن لا يضع رداءه حتى يجمع القرآن. فجلس في بيته ثلاثة أيام حتى جمع القرآن. فهو أوّل مصحف جمع فيه القرآن من قلبه و كان هذا المصحف عند آل جعفر. قال: و رأيت أنا في زماننا عند أبي يعلى حمزة الحسني(رحمه اللّه)مصحفا قد سقط منه أوراق بخط علي بن أبي طالب، يتوارثه بنو حسن.
و ان مصحفه عليه السلام يتوارثه اوصياءه الائمة من بعده واحدا بعد واحد.
فبعد ذلك الرفض القاسي لمصحف علي عليه السلام و حدوث واقعة اليمامة و قتل كثير من حملة القرآن قام زيد بن ثابت بأمر من أبي بكر بجمع القرآن خوفا من الضياع و عاونه على ذلك جماعة. كما اهتم كبار الصحابة كـ ابن مسعود وابي بن كعب وأبي موسى الأشعري وغيرهم، بتأليف سور القرآن و جمع آياته حسب ما اوتو من علم و كفاءة كل في مصحف يخصه و احرز بعض هذه المصاحف في العالم الاسلامي آنذاك مقاما رفيعا حسب انتسابه الى جامعه، فـمصحف عبدالله بن مسعود كان مرجع اهل الكوفة، و مصحف ابي بن كعب مرجعا في الاقطار الشامية، و مصحف ابي موسي الاشعري في البصرة و مصحف المقداد بن الاسود في دمشق و هكذا.
ولما كان جامعوا المصاحف متعددين و متباعدين و مختلفين بحسب الكفاءة و المقدرة و الاستعداد و كانت كل نسخة منها تشمل على ما جمعه صاحبها و ما جمعه واحد لا يتفق تماما مع ما جمعه آخرون، دعت بالخليفة الثالثة ان يهتم بالامر و يقوم بساعد الجد فجمع المصاحف و وحدهم ثم استنسخ منها ثمانية نسخة و بعث في كل مملكة من ممالك الاسلامية نسخة مع احد القراء.
قال احمد امين: "و في عهد ابي بكر امّ بجمع القرآن، لكن لا في مصحف واحد بل جمعت الصحف المختلفة التي فيها آيات القرآن و سوره و اودعت الصحف الكثيرة التي فيها القرآن عند ابي بكر. فكانت عنده مدة حياته ثم صارت عند عمر و بعده كانت عند ابنته حفصة و في ايام توحيد المصاحف استعارها عثمان منها ليقابل بها النسخ ثم ردها اليها فلما توفيت اخذ مروان من ورثتها و امر بها فشقّت."
فترتيب الحاضر في المصحف الكريم هو كترتيب المصحف العثماني، السور الطوال مقدم على‌القصار، فقد اثبت السبع الطوال (البقرة، آل عمران، النساء، المائدة، الأنعام، الأعراف، يونس) قبل المئين (الأنفال ، براءة، النحل، هود، يوسف، الكهف، الاسراء، الأنبياء، طه، المؤمنون، الشعراء، الصافّات) ثمّ المثاني ‌(هي التي تقلّ آياتها عن المائة و هي عشرون سورة تقريبا) ثم الحواميم ‌(السور التي افتتحت بـ حم) ثم المفصّلات (ذوات الآيات القصار) لكثرة فواصلها. وهي السورالأخيرة في القرآن.
1-3- تلاوة القرآن الكريمتميز القرآن الكريم عن سائر الكتب السماوية بنزوله شفاهيا و نجوما متفرقة. فنزل على قوم قد ازدهرت عندهم الفصاحة و البلاغة على اعلى مراتبها و قممها، بصوت سماوي علوي و بلسان عربي مبين ليقرح جفونهم بحلاوته و يسخر قلوبهم و عقولهم بعذوبة آياته و فصاحته و بلاغته.
فقرأ عليهم رسول الله ص بصوته الجميل أجمل ما انزل على البشر، آيات الذكر الحكيم ليدبروا آياته و ليعقلوا احكامه و ليتحلوا باخلاقه حتى ينالوا الجنة في الآخرة و العزة في الدنيا.
فلما سمعه وليد بن مغيرة المخزومي صاحب الفكر الناضج و العقل الراجح رجع الى قريش قائلا: "فوالله ما فيكم من رجل أعلم بالاشعار مني و لا اعلم برجزه و لا بقصيده و لا بأشعار الجن منّي. و الله ما يشبه الذي يقول شيئا من هذا و الله ان لقوله الذي يقول حلاوة و ان عليه لطلاوة و انه لمثمر اعلاه مغدق اسفله و انه ليعلو و لا يعلى و انه ليحطم ما تحته".
فكان أول ما عمد اليه رسول الله ص في ابلاغ دعوته الكبري هو اقراء القرآن المجيد و أوصى بإكرام اهل القرآن و سماهم "اهل الله و خاصته" و قال ص فيهم: "اشراف امتي حملة القرآن" و قال ص: "خيركم من تعلم القرآن و علمه".
و رغّب المسلمين بتلاوة آياته آناء الليل و اطراف النهار، و قال ص: "افضل عبادة امتي قراءة القرآن". و قد اثنى الله تبارك و تعالى على من كان دآبه تلاوة القرآن في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ * لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ ﴾ .
و قد شكل في المجتمع الاسلامي آنذاك مجموعة يدعى باسم القراء و كان الرسول ص يبعثهم الى مختلف الامصار ليقومون باقراء الناس القرآن. فبعث عمرو بن حزم الى اليمن ليعلم الناس القرآن و يفقهم فيه. و بعث مصعب بن عمير و ابن ام مكتوم الى المدينة. و كان مصعب يسمى المقرئ.
و كان الرجل من المسلمين اذا هاجر الى المدينة دفعه النبي ص الى رجل من الحفظة ليعلمه القرآن. و لما فتح رسول الله ص مكة المكرمة خلف فيها معاذ بن جبل يقرئهم القرآن و يفقهم.
و عن انس بن مالك قال: "جاء ناس الي النبي ص فقالوا ان ابعث معنا رجالا يعلمونا القرآن و السنة، فبعث اليهم سبعين رجلا من الانصار يقال لهم القراء".
وقد بين رسول الله ص طريقة للقراء في تلاوة القرآن الكريم، و قال: "اقرؤوا القرآن بلحون العرب و اياكم و لحون اهل الفسق و الكبائر فانه سيجيء اقوام من بعدي يرجعون القرآن ترجيع الغناء و الرهبانية و النوح لا يجاوز حناجرهم، مفتونة قلوبهم و قلوب الذين يعجبهم شأنهم".
و قال ص: "انما نزل القرآن بالحزن فاقرؤها بالحزن".
و قال ص: "ليس منا من لم يتغن بالقرآن".
و قال ص: "الصوت الحسن يزيد القرآن حسنا".
و قال ص: "زينوا القرآن باصواتكم".
و حض على حفظ القرآن و دوام تلاوته و العمل به فقال ص: "مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الاترجه ريحها طيب و طعمها طيب".
و كان يحب ان يستمع تلاوة القرآن من الصحابة و قد ابكى قراءة ابن مسعود النبي ص و قال ص: "من احب ان يقرأ القرآن غضا كما انزل فليقرأ قراءة ابن ام عبد (يعني عبدالله بن مسعود)".
بل ان رسول الله ص امر بتعليم القرآن من اربعة اولهم عبدالله بن مسعود، و قال: استقرئوا القرآن من اربعة عبدالله بن مسعود و سالم مولى ابي حذيفة و ابي بن كعب و معاذ بن جبل".
لهذا نال القراء و قراءة القرآن الحكيم حضا كثيرا و مكانة عالية في عهد رسول الله ص و ايضا بعد وفاته ص. و القراء كانو من اصحاب مجلس الخلفاء و اصحاب مشاورتهم و ذو مكانة عند الناس.
و ان تتبعنا التاريخ لوجدنا بان العبرة في تلقي القرآن عند المسلمين منذ عهد النبي ص كان بالتلقين الشفوي اولا و لا عبرة بالكتابة وحدها حيث كان يرسل رسول الله ص القراء و ليس السور و الآيات المكتوبة الى الامصار ليدعو الناس الى الاسلام.
اما اختلاف القراءات نشأت في زمن الخليفة الثالثة و كان سببها اختلاف مصاحف الصحابة لعدم وجود التنقيط و الاعراب و الالف في الكتابة و لسبب اجتهاد القراء فيها.
من اجل ذلك لم يكتف الخليفة الثالثة بارسال مصاحفه الائمة الى الامصار و انما ارسل مع كل مصحف عالما لاقراء الناس بما يحتمله رسمه فامر زيد بن ثابت ان يقرئ بالمدينة و بعث عبدالله بن السائب الى مكة و المغيرة بن شهاب الى الشام و عامر بن عبد قيس الى البصرة و ابا عبدالرحمن السملي الى الكوفة.فقعد ابوعبدالرحمن السلمي اربعين عاما بجامع الكوفة يقرئ الناس و يعلمهم القرآن.
فحفظ القرآن في الصدور و نقل جيلا بعد جيل و نسلا بعد نسل حتى تلقيناه كما تلقته الصحابة من رسول الله ص و كان اول جمع صوتي للقرآن الكريم في السنة 1960م في الجمهورية العربية المصرية و ذلك بيد الدكتور لبيب سعيد، و قد سماها بالمصحف المرتل و سجل فيها و لأول مرة الروايات السبعة بطرقهم المختلفة بصوت الشيخ المقرئ خليل الحصري لتخلد صوت القرآن في التاريخ و تقرع اسماعنا و تسكن في قلوبنا كما اقرع و سكن في قلوب اصحاب رسول الله ص في عهد نزول القرآن المبين.
1-4- الشكل الظاهريفي بادئ الامر كانت المصاحف خالية من النقاط و الاعجام و الاعراب فكانت سببا في لحن الناس، فلما سمع اميرالمؤمنين علي بن ابي طالب عليه السلام قارءا يقرأ "ان الله بريء من المشركين و رسوله" بكسر اللام في "رسوله" (وهو كفر) تقدم الى ابي الاسود الدؤلي حتى وضع للناس اصلا و منالا و بابا و قياسا بعد ان فتق له حاشيته و مهد له مهاده و ضرب له قواعده.
فكان ابو الاسود اول من شكل اواخر الكلمات و عرب المصحف الشريف، فجعل الفتحة نقطة فوق الحرف و الكسرة نقطة تحته و الضمة نقطة الى جانبه و جعل علامة الحرف المنون نقطتين. قال ابو الاسود للكاتب: "اذا رأيتني قد فتحت فمي بالحرف فانقط نقطة فوقه من اعلاه و ان ضممت فمي فانقط نقطة بين يدي الحرف و ان كسرت فاجعل النقطة من تحت الحرف فذا اتبعت ذلك غنة فاجعل النقطة نقطتين".
و في ولاية الحجاج بن يوسف الثقفي على العراق (75-86 هـ.ق) تعرف الناس على نقطة الحروف المعجمة و امتيازها عن الحروف المهملة و ذلك على يد يحيى بن يعمر و نصر بن عاصم تلميذي ابي الاسود الدوئلي.
و بعد ذلك اخذ خليل بن احمد الفراهيدي بتشكيل الكلمات فجعل الفتحة الفا مسطوحة فوق الحروف و الكسرة ياء تحته و الضمة واوا في اعلاه و جعل علامات للمد و التشديد.
و قد كتبت خلال خمسة عشرة قرنا مصاحف لا عد لها و قد سلمت كلها من التغيير و التبديل.
تتضمن المصحف المكتوب 114 سورة اولها فاتحة الكتاب و آخرها سورة الناس. ولوحظ في ترتيبها الطوال اولا ثم المائين ثم المثاني.
فكل سورة تبتدأ بـ "بسم الله الرحمن الرحيم" ما عدا سورة البرائة.
و اتخذت اسماء السور من آيات السورة و تختلف آيات السور بطولها و قصرها (60 الى 3 كلمات) و تتميز برقم الآيات في انتهاء كل آية كتقسيم خارجي و من حيث القوافي و سجع الآيات كتقسيم داخلي.
و تنقسم المصحف الى 30 جزء و كل جزء الى حزبين و كل حزب الى ربع الحزب و كل عشر آيات سميت بالعشر. هذا ما نشاهده في حاشية الآيات اضافة الى علامات تعين لنا مواضع السجود الخمسة عشر ( و على مذهبنا اربع سجدات واجبة و 11 منها مندوبة) و علامات اخرى كمواقع الوقف و الابتداء.
و هذه العلامات و التقسيمات ستساعد القارئ في قراءة القرآن و تجويده و حسن أداءه لآيات الذكر الحكيم.
1-5- المحتوا و السياق الباطنيالقرآن اساس الاسلام و قاعدته، و عليه يتوقف دين المسلمين و دنياهم، و هو اساس وجودهم السياسي و الاجتماعي و اللغوي و الادبي، انزله الله مفصحا عن جلاله و حجة لرسوله، باقية الاعجاز على الاحقاب و بينة على امانته فيما بلغ من وحي. و هو كتاب العقائد السامية و كتاب الفرائض و السنن و كتاب الاخلاق و كتاب التشريع و هو حجة الله عليهم ﴿و ميثاقه الذي واثقهم به﴾.
﴿إِنَّ هَـذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً﴾.
والقرآن يعرض على الناس احوال امم غبرت بحسناتها او بقبائحها و يذكر ما انتهى اليه امرها. ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ و يحكي لنا كيفية تعامل رب العالمين مع البشر و تعامل البشر مع حقيقة رب العالمين.
و القرآن يفوق سائر معجزات الانبياء و لا ينحصر اعجازه في الاخبار عن المغيبات و الاعلام بالاحكام بل يشمل النطق و الاسلوب، و يتجاوز الازمنة: الماضي، الحاضر، المستقبل. فهو الماضي من حيث انه الاول و نبع للعلم و العمل، و هو الحاضر من حيث انه المستمر و يلمع كالشمس في كل العصور، و هو المستقبل من حيث انه الاخير المطلق و خاتم الكتب السماوي.
يقول الامام علي بن ابي طالب عليه السلام في القرآن: "الا ان فيه علم ما يأتي و الحديث عن الماضي و دواء دائكم و نظم ما بينكم"
و يمكن ان نشاهد هذا التجريد من الازمنة و الاسلوب في البيان في جميع آيات القرآن الكريم فقهيا كانت ام تاريخيا، و على سبيل المثال نرى قصة موسى عليه السلام منتشر في جميع القرآن، و اذا اردنا تتبع ذلك يمكن ان نشاهد ولادته في: (سورة طه: الاية38-40، و سورة القصص: الآية 7-13) و تكليمه مع الله في (سورة مريم: الاية51-53، و سورة البقرة: الآية 9-56، و سورة القصص: الآية 29-35) و موسى و فرعون في (سورة الاعراف: الآية 103-137، سورة يونس: الآية 75-92، سورة هود: الآية 96-99) و هكذا.
و هذه الآيات تذكرنا بالآيات الاخرى بواسطة اعادة الصور او تكرار العبارات او الايقاعات، و تجعل القرآن يسير في كل الازمان.
و نشاهد ظهورهذا الامر(التجرد عن الزمان) في الايات المتشابهة، حيث تكررت هذه الايات في مواضع مختلفة بزيادة او نقصان، كما تعمل كالقفلات في القرآن، فنرى مثلا آية " جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ " في عشرين موضعا مع تغيير بسيط (سورة مريم: الآية 72 و 89، سورة ابراهيم: الآية23، سورة النحل: الآية 31، سورة طه: الآية 14 .... الخ.
اهمية هذه الحقيقة تأخذ طابعا مهما حينما يتلو على مسامعنا قارئ القرآن آيات الذكر الحكيم، لأن هناك تعامل ظاهري و عرضي مع حقيقة الوحي و البنية التحتية للقرآن الكريم و قراءة آي الذكر الحكيم، و تزدهر حينما نتصور الحقيقة التالية: ان قراءة القرآن عبارة عن احياء نزول الوحي على خاتم الانبياء و المرسلين محمد المصطفى ص.
و من المعلوم ان للقرآن اغراضا منها: الاعلام و التنبيه و الامر و النهي و الوعد و الوعيد و وصف الجنة و النار و الاحتجاج على المخالفين و الرد على الملحدين و البيان عن الرغبة و الرهبة و الخير و الشر و الحسن و القبح و مدح الابرار و ذم الفجار ... الخ. و ليس طبيعيا و لا سديدا ان نقرأ موضوعات هذه الاغراض كلها باسلوب واحد.
كما ان للقرآن موسيقاه الخاصة التي لا يفوت ادراكها احد من قرائه و من انواع بدائعه ما يمكن ان نرى فيه دلائل موسيقية نابعة منه و ليست مستجلبة اليه. و مما يوفر للقرآن موسيقاه الذاتية انه هو نفسه يوفر الانسجام بين الفاظه و اصواته، الذي قسّمت فيه الحركات و السكنات تقسيما متنوّعا و متوزّعا على الألحان الموسيقية الرقيقة، فينوّع و يجدّد نشاط السامع عند سماعه، و وزّعت في تضاعيفه حروف المدّ و الغنّة توزيعا بالقسط، يساعد على ترجيع الصوت به، و تهاوى النفس فيه آنا بعد آن، إلى أن يصل قمّتها في الفاصلة، فيجد عندهاراحته الكبرى، و هذا ما ذكره العلماء في باب الاعجاز البياني للقرآن الكريم، منها:
1-5-1- تناسق نظمه وتناسب نغمه‌﴿وَ اَلنَّجْمِ إِذا هَوى * ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَ ما غَوى * وَ ما يَنْطِقُ عَنِ اَلْهَوى * إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ اَلْقُوى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى * وَ هُوَ بِالْأُفُق اَلْأَعْلى * ثُمَ دَنا فَتَدَلى * فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى * فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى * ما كَذَ ب اَلْفُؤادُ ما رَأى * أَ فَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى * وَ لَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى * عِنْدَ سِدْرَةِ اَلْمُنْتَهى * عِنْدَها جَنَّةُ اَلْمَأْوى * إِذْ يَغْشَى اَلسِّدْرَةَ ما يَغْشى * ما زاغَ اَلْبَصَرُ وَ ما طَغى * لَقَدْ رَأى مِنْ آيات رَبِّهِ اَلْكُبْرى * أَ فَرَأَيْتُمُ اَللاّتَ وَ اَلْعُزى * وَ مَناةَ اَلثالِثَةَ اَلْأُخْرى * أَلَكُمُ اَلذَّكَر وَ لَهُ اَلْأُنْثى * تِلْكَ إِذ اً قِسْمَةٌ ضِيزى ﴾
هذه فواصل متساوية في الوزن تقريبا- على نظام غير نظام الشعر العربي- متّحدة في حرف التقفية تماما، ذات إيقاع موسيقي متّحد تبعا لهذا و ذلك، و تبعا لأمر آخر لا يظهر ظهور الوزن و القافية، لأنه ينبعث من تآلف الحروف في الكلمات، و تناسق الكلمات في الجمل، و مردّه إلى الحس الداخلي و الإدراك الموسيقى، الذي يفرق بين إيقاع موسيقي و إيقاع، و لو اتّحدت الفواصل و الأوزان.
1-5-2- تناسب أجراس حروفه مع صدى معانيهعندما تقرأ:
﴿فَإِذاجاءَتِ اَلصَّاخَّةُ * يَوْمَ يَفِرُّ اَلْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّه وَ أَبِيهِ وَ صاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ ‌-الى قوله-وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ * تَرْهَقُها قَتَرَةٌ * أُولئِكَ هُمُ‌ اَلْكَفَرَةُ اَلْفَجَرَةُ﴾
تجد وقع هذا الصراخ المدهش الذي يذيب القلوب وتذهل ‌النفوس.
و هذا غير ما تقرأ:
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ * لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم من فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ ﴾
يمكن نقول ان القرآن:
نزل للتلاوة و الاستماع.
له جمالية و قداسة لا مثيل له.
خاتم الوحي السماوي و لا بد ان يبقى محفوظا على مدى العصور.
و ننتج باهمية تلاوة القرآن و كيفية ايصال آياته و التجويد يعيننا في هذا الامر لان تلاوة القرآن مبتني على اصوله و احكامه.
البناء اللغوي و الحرفي و اللساني و النطقي و ترتيب الكلمات و نسقها و تركيبها في المد و الغنة و الادغام و الاظهار و الاخفاء كل ذلك اسهم و لا شك في دفع جمالية صوت القرآن في استثمار كامل المدى في القدرة على التعبير و التلوين و التنبير، الامر الذي جعل قراءة القرآن الكريم فنا لتصوير و تصويت الآيات المباركة.
و اذا نظرنا الى واقع التلاوة علميا فانها تنقسم على قسمين:
الاول: و هو مايتعلق باحكام التجويد الموضوعة من قبل علماء التجويد و ما تتطلبه من معرفة الحروف و المدود و احكامها و احكام الميم و النون و الادغام و الاخفاء و الاقلاب و القلقة و السكون و الغنة و سواها من احكام الوقف و الابتداء الخ.
الثاني: و هو ما يتعلق بالانغام و المقامات الموسيقية المستعملة في تلاوة القرآن الكريم.

1-6- التجويدعلم التجويد لغة : هو التحسين ، يقال جودت الشيء أي حسنته ، وأيضا ، تجويد الشيء في لغة العرب إحكامه وإتقانه ، يقال : فلان جود الشيء أي حسنه وأجاده إذا أحكم صنعه وأتقن وضعه وبلغ منه الغاية في الإحسان والكمال.
علم التجويد اصطلاحا: هو إخراج الحرف من مخرجه الصحيح واعطاء حقه ومستحقه من الصفات مع مراعاة الأحكام التجويدية.
و قد جاء عن اميرالمؤمنين علي بن ابي طالب عليه السلام في قوله تعالى: ﴿و رتل القرآن ترتيلا﴾ انه قال: الترتيل هو تجويد الحروف و معرفة الوقوف.
غاية علم التجويد: هو بلوغ النهاية في اتقان لفظ القرآن على ما تلقته من الحضرة النبوية الافصحية ، و قيل: غايته صون اللسان عن الخطأ في كتاب الله تعالى.
و يتوقف تجويد القرآن على اربعة امور:
احدها: معرفة مخارج الحروف. و ثانيها: معرفة صفاتها. و ثالثها: معرفة ما يتجدد لها بسبب التركيب من الاحكام. و رابعها: رياضة اللسان و كثرة التكرار.
1-6-1- مخارج الحروف:مخارج الحروف عند الخليل سبعة عشر مخرجاً. وعند سيبويه وأصحابه ستة عشر، لإسقاطهم الجوفية. وعند الفراء وتابعيه أربعة عشر، لجعلهم مخرج الذلقية واحداً. ويحصر المخارج الحلق واللسان والشفتان، ويعمها الفم.
فللحلق ثلاثة مخارج، لسبعة أحرف:
فمن أقصاه الهمزة، والألف، لأن مبدأه من الحلق، ولم يذكر الخليل هذا الحرف هنا، والهاء.
ومن وسطه العين والحاء المهملتان.
ومن أدناه الغين والخاء.
و للسان عشرة مخارج لثمانية عشر حرفاً:

پاسخ دهید

نشانی ایمیل شما منتشر نخواهد شد. بخش‌های موردنیاز علامت‌گذاری شده‌اند *